الراغب الأصفهاني
332
الذريعة إلى مكارم الشريعة
مداواة الغم وإزالة الخوف حق الإنسان أن يعلم أن الدنيا جمة المصائب رائقة المشارب تثمر للبرية كل بلية ، فيها مع كل لقمة غصة ، ومع كل جرعة شرقة ، فهي عدوة محبوبة كما قال أبو نواس : إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت * له عن عدو في ثياب صديق « 1 » وكما روى عن الحسن رحمه اللّه أنه قال ما مثلنا مع الدنيا إلا كما قال كثيرّ : أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة * لدينا ولا مقلية إن تقلت فما أحد فيها إلا وهو في كل حال غرض لأسهم ثلاثة سهم بلية ، وسهم رزية ، وسهم منية . تناضله الآفات من كل جانب * فتخطئه يوما ويوما تصيبه وقد قال بعض الحكماء : أسباب الحزن فقد محبوب أو فوت مطلوب ولا يسلم منهما إنسان ، لأن الثبات والدوام معدومان في عالم الكون والفساد ، فمن أحب أن يعيش هو وأهله وأحبابه فهو غير عاقل لأنه يريد أن يملك ما لا يملك ويوجد له ما لا يوجد فحق المرء أن لا يخلي « 2 » قلبه من اعتبار فيما يرى من ارتجاع ودائعها من أربابها وحلول فوازعها بأصحابها ، وما أحسن ما قال ابن الرومي : ألم تر رزء الدهر من قبل كونه * كفاحا إذا فكرت في الخلوات فما لك كالمرمى من ما من له * بنبل أتته غير مرتقبات فإن قلت مكروها أتانا فجأة * فما فوجئت نفس مع الخطرات
--> ( 1 ) ديوان أبو نواس / 465 . ( طبعة صادر بيروت ) . ( 2 ) في ط « يخلى » والمعنى غير ذلك إذ المقصود أن لا يترك قلبه دون اعتبار .